أزمة جيش الاحتلال تتفاقم مع تصاعد حالات الانتحار في صفوفه

تحليل معمق يكشف أن أزمة جيش الاحتلال لم تعد تقتصر على الخسائر الميدانية، بل امتدت إلى البنية النفسية والمعنوية للجنود، مع تسجيل أكثر من 18 حالة انتحار منذ بداية عام 2026.

أزمة جيش الاحتلال تتفاقم مع تصاعد حالات الانتحار في صفوفه
أزمة جيش الاحتلال تتفاقم مع تصاعد حالات الانتحار في صفوفه

أزمة جيش الاحتلال تتفاقم يوماً بعد يوم، ولم تعد مقتصرة على الخسائر الميدانية أو التحديات اللوجستية، بل امتدت إلى أعماق البنية النفسية والمعنوية للضباط والجنود. فمع إقدام طالب في دورة سلاح الجو الإسرائيلي، إحدى أكثر قوات النخبة، على إنهاء حياته داخل قاعدة عسكرية جنوبي فلسطين المحتلة، يعود ملف "الموت الصامت" ليحتل صدارة المشهد العسكري والسياسي، كاشفاً عن أزمة هيكلية تهدد تماسك المؤسسة العسكرية بأكملها.

تصاعد غير مسبوق في حالات الانتحار داخل الجيش

وتشير المعطيات الاستقصائية التي كشفت عنها صحيفة هآرتس الإسرائيلية إلى أن الحصيلة الرسمية المعلنة لحالات الانتحار منذ بداية العام الجاري ارتفعت إلى 18 جندياً على الأقل، مما يؤكد أن الظاهرة تتحول إلى مسار تصاعدي ممتد. وتُظهر القراءة التحليلية لحالات الانتحار داخل جيش الاحتلال تحولاً جذرياً في المعدلات، إذ ارتفعت من 7 حالات في الفترة من أكتوبر إلى نهاية 2023، إلى 21 حالة في عام 2024، ثم 22 حالة في عام 2025، وهو أعلى رقم خلال 15 عاماً، مقارنة بمتوسط سنوي لم يتجاوز 12 حالة خلال العقد السابق للحرب.

مؤشرات الأزمة الهيكلية

  • ارتفاع بنسبة 40% في حالات اضطراب ما بعد الصدمة منذ سبتمبر 2023
  • توقعات بزيادة النسبة إلى 180% بحلول عام 2028
  • 60% من الجنود الذين يتلقون علاجاً جسدياً يعانون أيضاً من مشاكل نفسية
  • 66 ألف جندي طلبوا الدعم النفسي منذ بداية الحرب

ويعكس هذا التصاعد أزمة نفسية متراكمة داخل جيش الاحتلال، ترتبط بطول الحرب واتساع جبهاتها وتكرار استدعاء قوات الاحتياط وغياب الوقت الكافي للتعافي. ويؤكد المختص في الشأن الإسرائيلي ياسر مناع أن هذه الأرقام لا تمثل سوى "رأس جبل الجليد" لأزمة أعمق تتعلق بالصحة النفسية للمجندين، وسط تزايد التقارير الإسرائيلية حول حالات الصدمة والاضطراب النفسي التي يعاني منها الجنود بعد فترات الخدمة الطويلة في قطاعات القتال.

الخلفيات السياسية والاقتصادية للأزمة

ولا يمكن فصل أزمة جيش الاحتلال عن السياق السياسي والاقتصادي الأوسع. فالحرب المستمرة على قطاع غزة منذ أكتوبر 2023، والتي امتدت لتشمل جبهات أخرى في لبنان وإيران، خلقت حالة من الاستنزاف غير المسبوق للموارد البشرية والمادية لإسرائيل. ويواجه جيش الاحتلال نقصاً حاداً في أعداد الجنود يقدر بنحو 15 ألف جندي، وهو أمر وصفه رئيس الأركان إيال زامير بأنه "خطير على مستقبل الدولة العبرية".

وفي هذا السياق، يحاول جيش الاحتلال تحديد سقف أقل من 60 يوم احتياط للجندي في عام 2026، لكن من المتوقع أن يفشل في تحقيق هذا الهدف بسبب التعبئة الواسعة للعدوان على إيران ولبنان. وقد أرسل الجيش أكثر من 80 ألف أمر استدعاء لجنود الاحتياط في إطار خطة "مركبات جدعون 2"، ما يعمق من حالة الإرهاق والاستنزاف التي يعاني منها الجنود.

إخفاقات في منظومة الدعم النفسي

كشفت هآرتس عن سلسلة من الإخفاقات في جيش الاحتلال، من بينها إلغاء أيام الدعم النفسي لجنود الاحتياط، وتراجع تواجد ضباط الصحة النفسية في الميدان، وعدم إيلاء القادة اهتماماً كافياً للعلامات المبكرة للاضطرابات النفسية.

وقد أقرت مصادر في جيش الاحتلال، وفق ما نقلته صحيفة هآرتس، بأن المؤسسة العسكرية تواجه صعوبة في اتخاذ خطوات فعالة للحد من هذه الظاهرة، لا سيما في الحالات التي لا يسعى فيها الجنود الذين يعانون من ضائقة نفسية إلى العلاج. وتشير بيانات وزارة الأمن الإسرائيلية إلى أن عدد المصابين الذين يتلقون العلاج النفسي ارتفع من نحو 62 ألفاً قبل الحرب إلى 87 ألفاً، فيما قفز عدد المصابين بإصابات نفسية من نحو 11 ألفاً إلى 31 ألفاً.

وتحذر الباحثة في مجال الصدمات النفسية، البروفيسورة زهافا سولومون، من أن ما يظهر اليوم "ليس سوى قمة جبل الجليد"، موضحةً أن كثيراً من الآثار النفسية تظهر بعد انتهاء المعارك، ومحذرةً من أن عدداً كبيراً من جنود الاحتياط المسرّحين قد يتحولون إلى "قنابل موقوتة" مع مرور الوقت. وتشير الصحيفة إلى أن تداعيات الحرب لم تعد تقتصر على العسكريين، بل امتدت إلى شرائح واسعة من المجتمع الإسرائيلي، بمن فيهم سكان المناطق المحاذية لقطاع غزة، والمشاركون في عمليات البحث والإنقاذ.

التوقعات المستقبلية لمسار الأزمة

وفي ظل استمرار العمليات العسكرية وعدم وجود أفق سياسي واضح لإنهاء الحرب، يبدو أن أزمة جيش الاحتلال مرشحة لمزيد من التفاقم. ويحذر خبراء الصحة النفسية من أن عدداً كبيراً من جنود الاحتياط المسرّحين قد يتحولون إلى "قنابل موقوتة" مع مرور الوقت، إذ تظهر الآثار النفسية العميقة للصدمات الميدانية غالباً بعد انتهاء المعارك وبعد أن يجد الجنود أنفسهم في مواجهة مباشرة مع ذكرياتهم.

ومع استمرار الضغوط الميدانية والنفسية على جنود الاحتياط، واستمرار الحاجة إلى قوات إضافية لتأمين الجبهات المتعددة، يجد جيش الاحتلال نفسه في مأزق استراتيجي: فهو بحاجة إلى المزيد من الجنود، لكنه في الوقت نفسه يواجه أزمة نفسية تهدد قدرته على الاحتفاظ بهم. ويبدو أن استمرار هذا النهج دون معالجة جذرية قد يؤدي إلى تفاقم الظاهرة بشكل أكبر في الأشهر المقبلة، مما يضع القيادة العسكرية أمام مأزق عملياتي يهدد استقرار القوات واستمرارية جاهزيتها القتالية.

المصدر: يلا نيوز نت