زوارق إيرانية تختبر الردع الأمريكي في هرمز: قراءة في خلفيات المواجهة
زوارق إيرانية حاولت الاستيلاء على طائرة مسيرة أمريكية في مضيق هرمز، وحادثة تكشف عن استراتيجية طهران في اختبار الردع ورفع كلفة الوجود الأمريكي في الممر الأكثر حساسية عالميًا.
زوارق إيرانية سريعة تابعة للحرس الثوري حاولت، مساء الاثنين، الاستيلاء على طائرة مسيرة سطحية غير مأهولة كانت تقوم بدوريات في مضيق هرمز، قبل أن ترد القوات الأمريكية بإطلاق صاروخين وتدمر الزورقين. هذه الحادثة، التي نقلتها وكالة أكسيوس عن مسؤولين أمريكيين، تمثل أحدث حلقة في سلسلة مواجهات بحرية بدأت منذ فبراير الماضي، وتكشف عن استراتيجية إيرانية تقوم على \"الاستنزاف المحدود\" ورفع كلفة الوجود العسكري الأمريكي في الممر المائي الأكثر حساسية في العالم.
زوارق إيرانية: استراتيجية الألم المحدود في مضيق هرمز
منذ إطلاق عملية "مشروع الحرية" في مايو، اعتمدت إيران تكتيكات متدرجة للتعامل مع الوجود العسكري الأمريكي في المضيق. البداية كانت بإطلاق صواريخ كروز وطائرات مسيرة وزوارق صغيرة باتجاه سفن أمريكية وتجارية، قبل أن تتحول المواجهة إلى حرب استنزاف يومية تشمل إطلاق مسيرات، وزرع ألغام بحرية، ومهاجمة ناقلات. وتشير بيانات مكتب عمليات التجارة البحرية البريطانية (UKMTO) إلى تسجيل 83 حادثة اشتباك و39 هجوم قرصنة في مياه هرمز والبحر الأحمر منذ بداية النزاع، من بينها 63 حادثة تضرر سفن و25 إصابة أو وفاة وثلاث خسائر كلية مؤكدة.
محاولة الاستيلاء على الطائرة المسيرة الأمريكية تشكل قفزة نوعية في هذا التصعيد. فهي لا تستهدف سفينة حربية أو ناقلة تجارية، بل منصة استطلاع غير مأهولة تمثل رمزًا للتفوق التكنولوجي الأمريكي في المضيق. ووفق المتحدث باسم سنتكوم، الكابتن تيم هاوكينز، فإن "الزوارق الإيرانية الصغيرة حاولت مؤخرًا الاستيلاء على مركبة سطحية أمريكية غير مأهولة، لكنها فشلت". ويبدو أن طهران تسعى من خلال هذه العمليات إلى اختبار حدود الردع الأمريكي، وقياس زمن الاستجابة، ورفع الكلفة السياسية والمالية لاستمرار العمليات الأمريكية في المضيق.
التكتيك الإيراني: زوارق سريعة + مسيرات + ألغام بحرية.
الهدف المعلن: الاستيلاء على منصة استطلاع أمريكية.
الرد الأمريكي: صاروخان من مسيرة أمريكية.
النتيجة: تدمير الزورقين، ومقتل معظم من كانوا على متنهما.
الرواية الإيرانية: قوارب صيد أم زوارق حرس ثوري؟
في المقابل، قدمت السلطات الإيرانية رواية مغايرة تمامًا. قالت محافظة هرمزغان إن قاربي صيد تعرضا لهجوم بطائرة مسيرة أمريكية قرب ميناء كركان وجزيرة لارك، وإن عددًا من الصيادين فُقدوا. وأكد نائب المحافظ أحمد نافيسي أن عمليات البحث والإنقاذ جارية، بينما وصفت وكالة تسنيم الحادث بأنه "هجوم بطائرة مسيرة تابعة للقوات الأمريكية المجرمة". هذا التناقض في السرديات ليس جديدًا في حرب هرمز، حيث تتبادل واشنطن وطهران الاتهامات منذ أشهر بشأن طبيعة الأهداف المستهدفة.
لكن الأهم من الرواية المتناقضة هو السياق الذي وقعت فيه الحادثة. فقبل ساعات من الهجوم، أعلن الحرس الثوري إسقاط طائرة مسيرة أمريكية من طراز MQ-1 في أجواء المضيق، في وقت كانت الدبلوماسية الإقليمية تتعثر مع إرجاء اجتماع إيران ودول الخليج في سلطنة عمان. كما أعلنت السعودية إغلاق خط أنابيب شرق-غرب، وهو المسار البديل لنقل النفط بعيدًا عن هرمز، ما يشير إلى أن طهران وحلفاءها يمارسون ضغوطًا متعددة الأبعاد على واشنطن وحلفائها الخليجيين.
التداعيات الاقتصادية: النفط بين 125 و40 سفينة
اقتصاديًا، يظل مضيق هرمز شريان الحياة الأهم لأسواق الطاقة العالمية. وقبل الحرب، كانت نحو 125 سفينة تجارية كبيرة تعبر المضيق يوميًا، تحمل ما يعادل 20% من إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية. اليوم، وبعد أشهر من الاشتباكات، انخفض هذا الرقم إلى سبع سفن فقط في أحد أيام سبتمبر، قبل أن يرتفع إلى 14 سفينة في عطلة نهاية الأسبوع. وتقول مصادر أمريكية إن نحو 40 سفينة تعبر المضيق يوميًا تحت الحماية العسكرية الأمريكية، وإن 14 مليون برميل من النفط تُصدَّر يوميًا.
لكن هذه الأرقام تظل موضع خلاف. فقد أشارت قناة الجزيرة إلى أن البيانات الفعلية لتتبع السفن تظهر أرقامًا أقل بكثير مما تعلنه واشنطن. وبغض النظر عن دقة الأرقام، فإن المؤكد أن استمرار المواجهات في هرمز يرفع كلفة التأمين على الناقلات، ويؤخر تعافي أسواق الطاقة، ويزيد من تقلب أسعار النفط. ومع كل حادثة جديدة، يقترب المضيق أكثر من نقطة اللاعودة.
المصدر: يلا نيوز نت